اليوم الثامن عشر: حين تُفرِّق بين الناس

الفصل الثامن عشر: حين تُفرِّق بين الناس

المساواة في عين النبي ﷺ … كيف تصنع عدالة حقيقية في عالمٍ يميل للتمييز؟

تخيّل نفسك جالسًا في مجلس يضم كل أطياف المجتمع: الغني والفقير، القوي والضعيف، العربي والأعجمي، الكبير والصغير.

كم مرة لاحظت … أو شاركت دون وعي … في تفضيل أحدهم لمجرد مظهره، نسبه، مكانته، أو حتى لهجته؟

كم مرة شعرت بانجذاب تلقائي نحو من يشبهك أو يملك ما لا يملكه غيره؟ هذا التمييز قد يبدو عاديًا في أعين الناس، لكنه يهدم أساسًا أخلاقيًا عظيمًا اسمه: العدالة.

في بيئة مكة والمدينة، كان التفاوت الطبقي والعنصري أمرًا مألوفًا، حيث الفخر بالقبيلة، والتمييز باللون، والتفاضل بالمال والنسب.

لكن النبي ﷺ جاء ليقلب هذه الموازين من الجذور.

جاء برسالة تضع الإنسان في مقامه الصحيح:

“يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد. لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى.”

لم تكن هذه الكلمات مجرد خطاب، بل واقعًا يُعاش في كل تصرف من تصرفات النبي ﷺ.

•  جلس مع المساكين، وأكرم الضعفاء، وجعلهم يشعرون أنهم في مقام واحد مع سادة القوم.

•  رفع شأن بلال الحبشي وقال: “بلال سيدنا، وأعتقه سيدنا”

•  وضمّ سلمان الفارسي إلى قلبه وقال: “سلمان منا أهل البيت”

كان يُعامل الجميع بالعدل والكرامة ذاتها، بلا اعتبار لمظهر أو لهجة أو نسب.

بل إذا دخل عليه رجلٌ ذو جاه وهيبة، لم يُغره المنصب، وإذا جاءه ضعيف الحال، بالغ في الإكرام والابتسام والاحتواء.

وفي مشهد بليغ، دخل رجلٌ على النبي ﷺ فارتعد هيبة، فقال له النبي ﷺ:

“هوِّن عليك، فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد.”

بهذه الكلمات، كان ﷺ يهدم أي شعور بالتفوق الطبقي، ويغرس في القلوب أن القيمة ليست في المظهر، بل في التقوى، في الخلق، في الجوهر.

دروس نبوية من القصة

•  العدالة تبدأ من داخلك: حين ترى الناس بعين الكرامة، لا المظاهر.

•  المساواة لا تعني تجاهل الفروق، بل احترام الجميع ومنحهم حقوقهم كاملة.

•  التواضع هو أعظم مظاهر القوة، والتفاخر هو أول خطوات الضعف.

تمارين عملية وتفاعلية

1.  رسالة امتنان لمن لا يُنتبه له

اختر شخصًا في محيطك غالبًا ما يُهمل أو لا يُقدَّر:

عامل نظافة، موظف بسيط، زميل خجول، أو فرد في عائلتك لا يسمع كلمات شكر.

افعل أحد الأمور التالية:

•  قل له “شكرًا” بصدق.

•  اكتب له رسالة تقدير بسيطة.

•  قدّم له هدية متواضعة دون مناسبة.

الهدف:

أن تتعلّم أن كل إنسان يحتاج للتقدير، وأنك حين ترفع من قيمة الآخرين، فإنك ترفع نفسك أيضًا.

2. كشف التحيّزات الخفية

راقب سلوكك هذا الأسبوع:

•  هل تميل دون شعور للتقرب من فئة معينة؟

•  هل ضحكت على نكتة فيها سخرية من لهجة أو لون أو منطقة؟

•  هل تهمّش أحدًا دون قصد؟

خطوات التمرين:

1.  دوّن موقفًا شعرت فيه بهذا الميل أو التحيز.

2.  اسأل نفسك: لماذا حصل ذلك؟

3.  خطّط لرد فعل مغاير: ابادر بالكلام، الدعم، أو فقط بالابتسام لمن كنت تتجنبه عادة.

الهدف:

أن تبدأ من الداخل… حيث تنمو العدالة الحقيقية.

3. ميزان العدالة اليومي

في نهاية كل يوم، خذ دقيقة واحدة واسأل نفسك:

•  هل عدلت اليوم بين من حولي؟

•  هل حييت الجميع بذات الاحترام؟

•  هل منحت كلمة تشجيع لمن يحتاجها؟

سجّل إجابتك، وخطط لتحسين اختياراتك في الغد.

4. تجربة التواضع العملي

اختر عملًا بسيطًا … تنظيف، ترتيب، خدمة شخص كبير … وقم به بنفسك بصمت، مستحضرًا تواضع النبي ﷺ مع أهل الصفة، وخدمته لأهله دون تكبر أو تذمر.

خلاصة الفصل

العدالة عند النبي ﷺ لم تكن شعارًا مرفوعًا، بل سلوكًا حيًا.

سلوكًا يتجلى في الابتسامة، في العدل بين الجالسين، في نظرة التقدير، في الكلمة اللطيفة.

كلما شعرت … ولو لحظة … أنك “أعلى” من غيرك، تذكّر مجلس النبي ﷺ، وتذكّر دعاءه:

“اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين.”

حين تُساوي بين الناس في قلبك، لا في لسانك فقط، فقد اقتربت من روح النبوة.

*********** 

يمكنك قراءة محتوى الكتاب كاملًا هنا في المدونة، كما يمكنك تحميله مجانًا من موقع مكتبة نور عبر الرابط التالي :

رابط تحميل الكتاب من مكتبة نور

رابط بديل :

تحميل الكتاب من قوقل درايف

إذا أعجبك الكتاب، فلا تنسَ منحه تقييمك – وشارك الآخرين لهذا المحتوى الملهم. 

📢 تابعنا على منصات نوادر: