
الفصل السادس: حين يغيب التقدير
قصة الطائف … أن تظل قائدًا وأنت تنزف
تخيّل نفسك تسير في طريق طويل، تحمل رسالة أمل ونور، تطرق القلوب واحدًا تلو الآخر، تزرع الكلمات في أرض قاحلة وتبتسم رغم التعب، فإذا بكل ما بنيته عبر سنوات ينهار فجأة. الأقربون إليك، من ظننتهم سندًا، يقابلونك بالخذلان والسخرية، ويُصفع حلمك الجميل بواقع موجع مرارًا وتكرارًا.
هذا تمامًا ما واجهه النبي ﷺ في رحلته إلى الطائف. لم يكن نبي الرحمة يبحث عن مكان آمن، بل كان يحمل رسالة تغيير وإنقاذ من ظلمات الجهل. لكنهم لم يكتفوا برفضه، بل سلّطوا عليه صبيانهم وسفهاءهم، فرجموه بالحجارة حتى سال دمه الطاهر، واضطر للجوء إلى بستان بعيد عن الأعين، لا يجد فيه مأوى ولا نصيرًا.
في لحظة كهذه، ما الذي قد يفعله أغلب الناس؟ ينهارون، يتوقفون، يتراجعون، يلومون الظروف…
أما هو ﷺ، ففي قمة الضعف الجسدي والانكسار النفسي، رفع يديه ودعا بدعاء عجيب، هو من أعذب ما نُقل عنه في لحظات الشدة:
“اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟… إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي…”
لم تكن كلمات يأس، بل كانت تسليمًا عميقًا لله، وتذكيرًا للروح بالغاية الأسمى. لم يكن انكسارًا، بل لحظة صفاء، تذوب فيها الأنا أمام الرضا الكامل بقضاء الله.
قصة الطائف ليست فقط عن ظلم تعرّض له النبي ﷺ، بل عن قيمة ضاعت ولم تُعترف، عن كرامة جُرحت لكنها بقيت شامخة، وعن قيادة استمرت حتى والدم يسيل.
هي درس في أن تكون محقًا ثم تُرفض، أن تُهان ولا تنتقم، أن تُجرح وتبقى نبيلاً.
هي درس القيادة رغم النزف.
في هذه اللحظة النبوية، تتجلى معاني التحفيز الحقيقي، وتُرسَّخ ثلاث قواعد جوهرية:
• لا تنتظر التقدير لتكمل طريقك: عملك له قيمة ذاتية عند الله، لا تتوقف على تصفيق الناس.
• لا تسمح للألم أن يغيّر مبادئك: الجراح لا تبرر خيانة القيم. كن كما أنت، حتى تحت الضغط.
• لا تقيّم نفسك بنظرة الآخرين: كرامتك نابعة من داخلك، من ثباتك على الحق، لا من تصفيق أو إنكار.
تمارين عملية وتفاعلية
1. إعادة القيادة بعقلية نبوية
كم مرة خرجت من موقف أشعرك بالإهانة أو التجاهل، وعدت تعيد المشهد في ذهنك مرارًا؟
هذا التمرين لا يُعيد الزمن، لكنه يُعيدك أنت… يُعيد قيادتك للموقف بطريقة نبوية.
خطوات التمرين:
1. اختر موقفًا شعرت فيه بعدم التقدير مؤخرًا.
2. دوّن تفاصيل ما جرى، وردّ فعلك حينها.
3. أعد كتابة المشهد وكأنك تقتدي بالنبي ﷺ: كيف كنت ستتصرف لو كنت مكانه؟
4. تأمل: هل تغيّر شعورك تجاه الموقف؟ تجاه نفسك؟ ما الذي نضج فيك؟
الهدف:
أن تفهم أن القوة ليست في الرد اللحظي، بل في صناعة نموذج يُحتذى، تمامًا كما فعل نبيك ﷺ.
2. تحدي “يوم بلا شكوى”
جرب أن تراقب نفسك ليومٍ واحد: كم مرة تشكو؟
من زحمة الطريق؟ من قلة الدعم؟ من ضغط العمل؟
الشكوى تستهلكك بصمت. تظنها راحة، لكنها في الحقيقة استنزاف.
خطوات التمرين:
1. خصّص يومًا لتحدي “… ساعة بلا شكوى”.
2. في كل مرة تهمّ بالشكوى، دوّن ما كنت ستقوله.
3. راجع القائمة مساءً: ما أكثر ما شكوتَ منه؟ هل تغيّر شيء في مزاجك أو سلوكك؟
4. كرّر التحدي أسبوعيًا، وسجّل تحوّلك.
لماذا هو مهم؟
لأنك تتدرب على ترويض ردود فعلك، وتغرس في نفسك ما غرسه النبي ﷺ وهو يقول: “إن لم يكن بك غضب عليّ، فلا أبالي…”
3. رسالة إلى ذاتك
اكتب رسالة قصيرة لنفسك، تقرأها كلما شعرت بأنك غير مقدّر أو مهمّش.
ذكّر نفسك فيها بدعاء النبي ﷺ في الطائف، وقل لنفسك: القيمة لا تُمنح من الناس، بل تنبع من الثبات.
4. مبادرة خفية
في اليوم التالي، افعل خيرًا خفيًا لشخص لا يتوقعه، بلا ضجيج، بلا إعلان.
تذكّر: النبي ﷺ زرع الرحمة في أحلك لحظاته، ونحن على خطاه.
الخلاصة
الطائف لم تكن مجرد مدينة رفضت النور، بل كانت مسرحًا لعظمة لا تُقهر.
كانت جرحًا في الجسد، ورفعة في الروح.
كلما شعرت أنك غير مقدّر، تذكّر هذه اللحظة:
“إن لم يكن بك عليّ غضب، فلا أبالي…”
أنت أقوى مما تظن.
ابدأ اليوم… قُد نفسك كما قادها نبيك ﷺ في أقسى لحظاته.
***********
يمكنك قراءة محتوى الكتاب كاملًا هنا في المدونة، كما يمكنك تحميله مجانًا من موقع مكتبة نور عبر الرابط التالي :
رابط تحميل الكتاب من مكتبة نور
رابط بديل :
إذا أعجبك الكتاب، فلا تنسَ منحه تقييمك – وشارك الآخرين لهذا المحتوى الملهم.
📢 تابعنا على منصات نوادر:

أضف تعليق